
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
هو أحمد بن محمد بن الحسن الضبي الصنوبري , وفي بعض المصادر أن اسمه محمد , وهو خطأ . فقد ذكر في ديوانه غير مرةٍ أن اسمه أحمد . هو شاعر من قبيله بني ضبه التي تعتبر واحده من قبائل الرباب والتي هي الفخذ الرابع من قبائل بني تميم الأربعه الكبيره سبب تلقيبه بالصنوبري نسبة الى جده الملقب بالصنوبري حيث كان جده الحسن بن مرار صاحب بيت حكمة من بيوت حكم المأمون ، فجرت له بين يديه مناظرة، فاستحسن كلامه وحدة مزاجه
فقال له المامون: إنك لصنوبري ، يريد بذلك الذكاء وحدة المزاج".
ولقب الصنوبري يحمل له معنى الفخر، والانتساب إلى صفة تربط الجدَّ بالخليفة العباسي المشهورالمامون .
من أهل أنطاكية , ولكن منشأه ومرباه في حلب, وكانت من كبرى مدن العلم التي تزخر بأهل العلم في الفقه واللغة والحديث والطب وغيرها , وفي ديوانه إشارات إلى بعض اهل تلك الفنون , كما ورد ذكر أرسطاليس وبقراط في بعض أشعاره , مما يدل على أنه قد عكف شطرا من حياته على الدرس والتحصيل حتى تخرج شاعرًا ملمًا ببعض ثقافات عصره وإن لم يك إلمامًا عميقًا .
وألم كثيرًا بالرقتين والموصل ودمشق , ولم يترك فيها واليًا إلا قدم عليه مادحًا, ومع أنه كانه متشيعًا إلا أنه ظل منحرفًا عن الأسرة الحمدانية التي كان نجمها قد أخذ في التألق منذ أواخر القرن الثالث الهجري حتى قدوم سيف الدولة حلب.
كما يجد الباحث في ديوانه ما يدل بوضوح على أنه كان لا يزال يرحل من حلب إلى الرقة على الفرات , حتى كأنها كانت موطنه الثاني وخاصةً في أيام شبابه وإدمانه اللهو وخلعه للعذار, و لم يدع جوادًا أو حاميًا من حماة الأدب في تلك الأنحاء إلا واسبغ عليه مدائحه , وكان يلم كثيرًا بمدينة الرها ويجتمع فيها بكثيرٍ من أدباء العراق والشام ومصر في دكان وراقٍ يقال له سعد , وكان من أقربهم إلى نفسه المعوج الرقي ويقال إنه أستاذه , وقد بكاه حين توفي بمرثية طويلةٍ , منها :
يا سماء الشعر التي لي عليها=كل يومٍ سمـاء دمـع تفيـضُ
كيف تجني الأفهام زهر المعاني=بعدما جف روضهن الأريـضُ؟
ولعل أهم صداقاته وعلاقاته الشعرية كانت مع كشاجم , وكان أصغر منه سنًا ,وكأنه اتخذ منه معلمه ورائده في الشعر, وبينهما معابثاتٌ و مداعباتٌ واستعطافاتٌ كثيرةٌ . كما انعقدت بينه وبين الأخفش الصغير - حين نزل حلب في خمس سنواتٍ - صداقةٌ لم يحظ بها عالم لغويٌ غيره عند الصنوبري .
وكان يعيش - على ما يظهر - في يسرٍ دائمًا , إذ يذكر - كما يذكر كشاجم - أن له بحلب ضيعةً وبستانًا وقصرًا تحفها الأشجار والأزهار والرياحين, وكان يدعو إليها كثيرًا من أصدقائه لمآدب عنده .
وأخذ كثيرون يروون أشعاره في حياته , وعني أحد تلاميذه من الشعراء وهو أبو العباس الصفري برواية ديوانه , كما اهتم بذلك معاصره أبو بكر الصولي .
ومن يقرأ في شعر الصنوبري يلاحظ عنايته بصناعة شعره , وأنه أكب على الشعراء من قبله يقرأ فيهم ويستوعب ويتمثل , فهو يكثر حينًا من فنون البديع على منوال أبي تمام , وحينًا لا يذهب بعيدًا في ذلك على طريقة البحتري , وحينًا يكثر من التشبيهات والصور على طريق ابن المعتز , وأكثر من وصف الطبيعة كابن الرومي .
و عني في شعره بالمديح عنايةً واسعةً , إذ اتخذ شعره متجرًَا له ومربحًا , وكثيرًا ما كان يصرح فيه بتنجز الوعود وانتظار هبة الممدوح , وأكثر من مديح أحمد بن العباس بن كَيَغْلَغ, وفيه قال :
وكيغلغي المجد يُلفَى مجـده=ثبت الدعائم محصد الأمراسِ
فرد الكيان فكفه من رحمةٍ=تسع الأنام وقلبه من بـاسِ
كما مدح كثيرًا من العلويين في حلب وغيرها , ومن خير مدائحه في الهاشميين مدائحه في أبي إسحق السليماني , إذ وصفه بالعلم الغزير والاطلاع الوافر حتى ليقدمه على أرسططاليس وبقراط , إذ يقول :
وأدق من رسطالسٍ نظرًا إذا=ناظرته وأشف من بقراطِ !
والرثاء كثيرٌ في ديوانه بصوره الثلاث من العزاء والتأبين والندب , فهو يعزي جعفر بن طاروفٍ عن أخيه بأن تلك حال الزمان يعصف بكل الأحياء , وحزن طويلاً على صديقه أبي إسحق السليماني حين توفي فأبنه كثيرًا وبكى عليه من مثل قوله :
غاب أبو إسحقَ في الأرض بل=غاب سراج الأرض في الأرضِ
بكته عينـاي وفـوق البكـا=حتى بكى بعضي على بعضـي
ومن أروع مراثيه ندبه للنبي صلى الله عليه وسلم , وكذلك رثاؤه وتفجعه على الحسين بن علي , ومرثيته في أمه إذ يعد من أقدم من رثوا أمهاتهم , وكذلك و على ليلى ابنته , وكانت عروسًا , فظل جرحه فيها لا يرقأ , يقول :
يا ربة القبر المضيء الـذي=يضيء ضوء الكوكب الساري
أشتاق رؤيـاك فآتـي فـلا=أرى سوى تُـربٍ وأحجـارِ
قومي إلى دارك قـد أنكـرت=صبـرك عنهـا أي إنـكـار
استوحشت دارك من أهلهـا=واستوحش الأهل من الـدار!
وهزته فاجعة الحرم المكي سنة 317 حين هجم القرامطة على الحجاج فأعملوا فيهم السيوف وهم متعلقون بأستار الكعبة حتى قيل إنهم قتلوا منهم نحو عشرة آلاف , ومضى يصف القرامطة بأنهم كفرةٌ لا يعرفون سجودًا ولا صلاةً ولا طهرًا ولا وضوءًا ولا شيئا من فرائض الإسلام .
وله قصائد عدةٌ في الفخر , وكثيرًا ما كان يفخر بقبائل قيس والقبائل المضرية عامةً وقبيلته ضبة خاصةً , وكثيرًا ما كان يفخر بالمصطفى وآله , ويضيف إليهم أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما - وخلفاء بني العباس في عد مناقبهم, يقول :
عدوا النبي الهاشمي ورهطـه=ووزيره الصديـق والفاروقـا
ولهم خلائف من بني العباس قد=أعيوا جميع العالميـن لحوقـا
وله أهاجٍ كثيرةٌ يملؤها الفحش , ومن أطرفها هجاؤه لزوج ابنته ليلى التي رثاها طويلاً , ويبدو أنها توفيت عقب اقترانه بها , فعده طائر شؤمٍ وطالع نحس بغيضٍ , فهجاه مرارًا وتكرارًا بمثل قوله :
ألا يا بن الجنيد اسمـع=وما أنـت بـذي سمـعِ
على التفريـق إمـلاكـ=ـك هدًا لا على الجمع !
على التعس على الغـم=على النحس على الفجعِ
علـيَّ تحـرق القلـبِ=علـيَّ تحـدر الـدمـعِ
وفي ديوانه معاتباتٌ واستعطافاتٌ بينه وبين بعض أصدقائه , وألطفها ما نظمه في صديقه استعطاف صديقه الحميم كشاجم , ومنها :
أخٌ لي عاد من بعـد اجتنابـه=وفـرق بيـن قلبـي واكتئابـه
وخاطبني فخلت بأن زهـر الـ=ـربى الموشى يجنى من خطابه
فقرب بين أجفانـي وغمضـي=وباعد بين دمعـي وانسكابـه
وله غزلياتٌ كثيرةٌ , غير أن كثيرًا منها شاذٌ , وله غزلٌ في نساء وفتياتٍ كثيراتٍ ,يغلب عليه التكلف , ومن غزلياته الطريفة قوله :
لا النـوم أدري بـه ولا الأرقُ=يدري بهذي مـن بـه رمـقُ
إن دموعي من طول ما استبقت=كلت فمـا تستطيـع تستبـق
أما الموضوع الأساسي في شعره فوصف الطبيعةِ, التي عاش فيها وعاش لها معيشةً جعلته أستاذا في هذا الباب في العربية , وقد مضى معاصروه ومن حولهم ومن خلفهم يسيرون على هديه في هذا الجانب , حتى ضرب المثل بروضياته , وقد استأثرت الطبيعة بكل ما فيه من عاطفةٍ حتى إنه يعلي وصفها على وصف الأطلال والديار , يقول :
وصف الرياض كفاني أن أقيم علـى=وصف الطلول فهل في ذاك من باسِ؟
يا واصف الروض مشغولا بذلك عن=منازلٍ أوحشـت مـن بعـد إينـاس
قل للذي لام فيه هـل تـرى كلفًـا=بأملح الـروض إلا أملـح النـاسِ؟
ووجده في الرياض لا يشبهه وجد , وهذا الوجد إنما يشتد في الربيع , وكأنما تتحول تلك الرياض فيه إلى أعياد وأعراس , يقول :
ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا=أتى الربيع أتاك النَّـور والنُّـور
فالأرض ياقوتةٌ والجـو لؤلـؤةٌ=والنبت فيروز والمـاء بلـور
تظل تنثر فيه السحـب لؤلؤهـا=فالأرض ضاحكةٌ والطير مسرور
وغير ذلك في شعره كثيرٌ في وصف الطبيعة , ومن أبرز ما يمكن أن يذكر عنه في هذا الباب هو غناؤه الكثير بالثلجيات , وهو يعد رائد هذا الباب وفاتحه في الشعر العربي ,والله أعلم .
يتبع ,,,
محمد التميمي
][ عاشــ( الذاهبه )ــق ][